مجد الدين ابن الأثير

385

المختار من مناقب الأخيار

لعلم الشريعة ، فهتف بي هاتف من تحت شجرة : كل حقيقة لا تتبعها شريعة فهي كفر « 1 » . وقال : كنت أبكّر يوم الجمعة إلى مسجد الجامع وأجلس عند الجنيد ، فبينا أنا ذات جمعة أمشي إلى المسجد إذا أنا باثنين يقولان : اذهب بنا إلى أبي القاسم الجنيد نسأله - قال الزقاق : فتبعتهما حتى دخلا سقاية يتطهّران [ بها ] فرأيت منهما شيئا كرهته لهما فقلت : إنّا للّه وإنا إليه راجعون ، أخطأت فراستي فيهما ؛ فخرجا وأنا أتبعهما حتى وقفا على الجنيد ، فقال أحدهما : بماذا يرد خاطر الانزعاج ؟ وقال الآخر : كل باد يعود إلى بادية . فقلت في نفسي : ما ترى ما يفعل هؤلاء ، فأقبلا على الجنيد وقالا « 2 » : أين المغتاب لنا ؟ فقلت في نفسي : علم بي وتكلّم على خاطري ثم قال الثانية « 3 » : أين المغتاب لنا ؟ سلنا نجعلك « 4 » في حلّ . فقلت : يا سيدي ! ما قلته إلا غيرة . فقال : يا أبا بكر ! لا تتهم أقواما انتخبهم الحقّ في سابق علمه وأزليّته ، وأظهرهم بكرامته ووحدانيّته ، حتى إذا كان في وقت بدئهم استخرجهم من الذّرّ لخاصيّته « 5 » ، وعجن أرواحهم بأنوار قدسه ، [ وأقامهم بين يديه ] ونظر إليهم بعين رحمته ، وألبسهم تيجان ولايته ، فإن دعوه أجابهم ، وإن سألوه أعطاهم ، وإن استحجبوه غطّاهم لا تدركهم خفيّات الألحاظ ، ولا تغيرهم ترجمات الأسرار ، فهم به ينظرون ، وإليه في جميع الأشياء عن الأشياء مستغنون . فنظرت فلم أرهم « 6 » . وقال : كان بمكة رجل لا يجلس إلى أحد ولا يجلس إليه أحد ،

--> ( 1 ) الحلية 10 / 344 والمنتقى لابن خميس 102 / أ . ( 2 ) في المنتقى لابن خميس : « فأقبل عليّ الجنيد وقال » . ( 3 ) في المنتقى لابن خميس : « الثاني » . ( 4 ) في المنتقى لابن خميس : « نجعله » . ( 5 ) في المنتقى لابن خميس : « لخاصته » . ( 6 ) المنتقى لابن خميس 102 / أ ، 102 / ب . وما مر بين معقوفين منه .